ثقافة في كتاب "يوم جاؤوا لاعتقالي" لهادي يحمد: هكذا يُلاَحق تونسيون بسبب مثليّتهم أو انتماءاتهم الدينية والسياسية!
"يوم جاؤوا لاعتقالي" ليس كتابا عن الاعتقالات. بل هو كتاب يدحض المقولات الزائفة التي تدّعي أننا نعيش في "دولة القانون والمؤسسات" وأننا وضعنا "أفضل دستور في العالم" و"أفضل نص ضامن للحقوق والحريات". فالشهادات الخمس التي نقلها الصحفي هادي يحمد في كتابه الجديد تكشف كيف تهضم المنظومة الاجتماعية والدينية والسياسية حق الافراد في أن يمارسوا خياراتهم بحريّة في تونس، وكيف أنّ النصوص القانونية تعجز عن حمايتهم طالما كانت سطوة القوى التي تتحكم في المجتمع أكثر نفوذا من القوانين ذاتها.
وقد توّقف المؤلف في كتابه عند قصص 5 تونسيين لُوحقوا واسْتُهدفت حياتهم الشخصية لا لشيء الا لأنهم مارسوا قناعاتهم الذاتية بعيدا عن توجهات عامة الناس. 5 شهادات موجعة لشاب مسلم متدين وآخر مثلي جنسي وأم عزباء ومعتنق للديانة البهائية وفتاة لا دينية، كلّهم سُلب منهم في يوم ما حقُهم في ممارسة حريتهم الفردية حتى اضطر اثنان منهم للجوء السياسي خارج البلاد بينما يعيش البقية الثلاث في البلاد تحت وقع المضايقات.

-صورة من اللقاء التقديمي للكتاب الذي انتظم بفضاء "الكوري" بالمدينة العتيقة
عن إصداره الذي أُنجز في اطار مشروع الدفاع عن الحريات الفردية والمساواة -والذي أعدته ونفذته بتونس كل من الفيدرالية الدولية لحقوق الانسان والجمعية التونسية للحريات الفردية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان وجمعية النساء الديمقراطيات بدعم من مؤسسة هنريش بول-، قال الصحفي هادي يحمد انّ بذرته الأولى جاءت خلال جلسة بمقر الفيدرالية الدولية لحقوق الانسان مع الحقوقيات يسرى فراوس وحفيظة شقير وآخرين. ثمّ اقتُرِح اعداده في اطار "المعركة الكبرى للحريات" التي تعرفها تونس منذ تسع سنوات من الثورة.
وفي ذات السياق، أضاف يحمد انّ تونس "حققت نصف ثورة" اذ أنّ الوجه القاتم لرياح التغيير التي هبت على البلاد مسّ مسألة الحريات الفردية في حين انها تمثل "جوهر الثورة" وفق رأيه. ويقول يحمد "حققنا الكثير لكن الأهم لم يتحقق، فالغاية القصوى من كل ثورة في العالم هي أريحية الانسان، فالإنسان التونسي عندما يشعر اليوم أنّه غير مستأمن على معتقده، انه مهدد في حريته الجسدية، ان جسده غير ملكه، كُلّ هذا وغيره من مسائل في علاقة بحرية المعتقد، وحرية الضمير، وحرية التنقل، عندها يتساءل عن معنى مواطنته".
وعن الأشخاص الذين قدموا شهاداتهم في الكتاب، وصفهم يحمد بـ"الضحايا- الابطال" لأنهم مارسوا قناعاتهم الشخصية ممّا دفعهم الى السرية والمنافي والسجون. وأردف يحمد قائلا انه من مفارقات الثورة أن اضطر عديد التونسيين -بعد تغيير النظام- الى طلب اللجوء بأوروبا بسبب معتقداتهم او ممارساتهم المختلفة. "نكسة الثورة في تونس انّ هناك شبابا غادر البلاد لأنه ليس بالخبز وحده يحيا الانسان" يجزم يحمد.
وردّا على من يعلّقون على قضايا الحريات أنّه "مش وقتو"، اعتبر يحمد أنّ "كل القضايا في وقتها: قضايا التحرر وقضية أن يعيش الانسان بأريحية في وطنه. فالحرية الفردية أولوية قصوى من أجل تحقيق السعادة. ولن تتحقق هذه الأخيرة اذا ظلّت الحريات الفردية مهددة".

وتلتقي الشهادات الخمس الواردة في كتاب "يوم جاؤوا لاعتقالي" حول الطابع الانتهاكي الذي تمارسه السلطات المتحكّمة في المجتمع بمختلف أنواعها (سياسية-دينية-اجتماعية) رغم النصوص الحامية لحد أدنى من الحقوق أو لنقل الضامنة نظريا لحمايتها. هذه السلطات التي تتجرأ -في مخالفة تامة للقوانين التي من المفروض ان تحرص على تطبيقها- على تطليق فرد من زوجته او على هرسلة خصومها السياسيين او على الحكم بالسجن على مواطن لأنّه مثلي جنسي (القانون 230 الذي يحكم بـ3 سنوات سجن على ممارس اللواط) والاستهداف الغريب لمن اشتُبه فيهم بالارهاب (S19) وغيرهم من الأشخاص الذين لُوحقوا بسبب انتمائهم الديني (يهود- شيعة- بهائيين) .
ولعل النبذة التي ننقلها لكم في هذه المقالة عن 3 حالات من الحالات الخمس المرويّة تكشف حجم الانتهاكات المرتكبة في حقهم.
"يوم هربت من البلاد"
تحت هذا العنوان وردت قصة الأم العزباء ر.ش، وهي لاجئة تونسية بفرنسا، شهادة تؤكد كم هو قاس وموجع ان تسلك امرأة في مجتمعاتنا العربية طريقا مغايرا عن العامة. عن نظرتها للحرية، وهي التي انجبت خارج اطار الزواج واتخذت من الشيوعية مذهبا سياسيا، تقول ر.ش: "أنا بنت جيل نساؤه يردن مكانة لا تنقص ولا تزيد عن مرتبة الرجل. انا بنت جيل اصبح له رموز أخرى من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية. مغامراتي قادتني في ما بعد الى السرية والايقافات والمنافي. لم تكن حياتي مجرد كسر لقاعدة اجتماعية اسمها مؤسسة الزواج. كانت حياتي حالة بحث عن الانعتاق والحرية. لي قناعة بأن نظريات الحرية في المجلدات والمنشورات والكتب تحتاج دائما الى امتحان عملي في الواقع. الواقع أحيانا اكثر اخبارا بحقيقة الأفكار ونظريات الكتب".
بوابة سجن المرناقية الزرقاء!
شهادة المثلي الجنسي ن-ب، وهو أيضا لاجئ بفرنسا، هي الأخرى غريبة الأطوار بما أنه قضى قرابة 4 أشهر بالسجن مع عتاة المجرمين والمغتصبين لمجرد اعتراف صديق له في مركز أمن أنّه يقيم معه علاقة جنسية ! نعم لمجرد اعتراف شفوي، تحاملت ضده المنظومة الأمنية والقضائية ليجد نفسه وراء القضبان لينتهي ماراطون التقاضي بعدم سماع الدعوى في خصوص تهمة اللواط فيما اثبت القاضي تهمة المراودة. ومما قاله ن-ب في شهادته مايلي: "فهمت أيام المحاكمة كيف يحفظ المتهمون في عنابر السجن أسماء القضاة، فهمت كيف يختلف القضاة بسبب درجة انسانيتهم وانفتاحهم على العالم لا بسبب ما يحفظونه من بنود قانونية".
يوم طلّقني المفتي!
أما القصة الثالثة، فيروي فيها المهندس المعماري ر-ب-ح كيف اعتنق الديانة البهائية، وكيف صدر ضده حكم بالتطليق من زوجته سنة 2008، وهي -وفق قوله- أوّل قضية طلاق من هذا النوع بعد الاستقلال وذلك بعد ان أصدر المفتي كمال الدين جعيط بتاريخ 4 مارس 2008 فتوى تنصّ على انّ البهائية تستهدف النيل من الإسلام، وهي فتوى استأنس بها القاضي لاصدار حكم لتطليقه من زوجته.
كل الحالات المنصوص عليها في كتاب "يوم جاؤوا لاعتقالي" وغيرها من الانتهاكات التي تمس الحريات الفردية -والتي قد تنقل وقائعها الصحافة او لا تجد أي صدى في وسائل الاعلام- تؤكد حجم الهوّة بين النصوص القانونية النظرية وتطبيقها على أرض الواقع وما ينجر عن ذلك من انتهاكات جسيمة في حق الأفراد، وتساعد وفق ما ذكرته الأستاذة حفيظة شقير في مقدمة الكتاب على خوض حملة الترافع من أجل اصدار مجلة الحريات الفردية. كما تكشف هذه الحالات مثلما اعترف الكاتب بذلك "أنّ قضية الحريات الفردية هي الحلقة الأصعب في معركة الحقوق التي تشهدها البلاد.. أملي ورجائي يتعلقان بتمرير مشروع قانون الحريات الفردية على البرلمان. كتابي يتنزل في هذا الاطار".
* يتضمن الكتاب أيضا 3 تحقيقات انجزها الصحفي هادي يحمد حول اليهود والشيعة والسجون.
شيراز بن مراد